ما أن قارب الليل بوحشته . وامتد الظلام رويداً يغزو جنابته على الشارع الخالي إلا من بعض المارة . مشيت تلك العجوز المسنة وهواء الليل الضعيف يدفعها
قاربت الثمانون من العمر ... مسكينة كانت .. تمشي تجوب بين القمامة لعلها تجد ما تأكله . الجوع قهرها في أولي ليالي رمضان ولا تجد ما تأكله ... ولا تعلم ماذا تفعل
ولم تعلم المسكينة أن هناك عينان كالصقر ترقبها . عينان متحفزتان تتبعها
والمسكينة لا تدري
مشيت تلك العجوز والمارة قد فارقوا الطريق .. وكانت تلك اللحظة التي ينتظرها صاحب العينيين فاقترب منها شيئا فشيئا
والمسكينة لا تدري
زادت وقع أقدامه وهو يسرع نحوها . وأحست العجوز أن أحدا ما يراقبها ويأتي نحوها فحاولت أن تنظر وهي مذعورة لتري من يتبعها
وأقترب صاحب العينين وامتدت يده نحوها والمسكينة لا تستطيع المقاومة
و
و
ونظرت إلي صاحب العينين فاستقبلتها نظرة حانية وابتسامة رحيمة ويد طيبة ربتت علي كتفها . وسمعت الصوت الهادئ يقول لها : كيف حالك يا أمي ؟
نظرت إليه بنظرة خاوية ولم ترد . فهي نسيت الكلام منذ زمن . فلا احد يأبه بها و يهتم أن يكلمها . ولكنها أحست فجأة بالأمان .. فليس لها أبناء ولم تسمع كلمة أمي من قبل
ونظرت ليد الشاب فإذا هو يحمل حقيبة بها غطاء ثقيل وطعاما ساخناً .. ومد يده فوضع في كفها مبلغ من المال فانحنت لتقبل يده فسحبها برفق وقال لها . يا أماه إن إحتاجتي شيئا فأنا أسكن هنا وأشار لمنزله .. ثم ربت عليها بحنان ونظر لها بنفس النظرة الحانية ثم عاد من حيث جاء
وسمع من خلفه صوتا ضعيفاً لامرأة أنهكتها السنين
ربنا يخليك يا بنى
ولحظات وأذن مؤذن المسجد القريب لصلاة المغرب
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً